ابن عبد البر
182
الدرر في اختصار المغازي والسير
معك جشيشتك ( 1 ) . فغضب كعب وفتح له ، فقال له : إنما جئتك بعزّ الدّهر : جئتك بقريش وسادتها وغطفان وقادتها قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه . فقال له كعب : جئتني واللّه بذل الدهر وبجهام ( 2 ) لا غيث فيه ، ويحك يا حيىّ ! دعني فلست بفاعل ما تدعوني إليه . فلم يزل حيىّ بكعب يعده ويغرّه ، حتى رجع إليه وعاهده على خذلان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه وأن يصير معهم . وقال له حيىّ بن أخطب : إن انصرفت قريش / وغطفان دخلت عندك بمن معي من يهود ( * ) . فلما انتهى خبر كعب وحيىّ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين بعث سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وسيد الأوس سعد بن معاذ وبعث معهما عبد اللّه بن رواحة وخوّات بن جبير ، وقال / لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : انطلقوا إلى بني قريظة فإن كان ما قيل لنا حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه ، ولا تفتّوا في أعضاد المسلمين ،
--> ( 1 ) الجشيشة : طعام يصنع من الجشيش ، وهو البر يطحن غليظا . فإذا طبخ والقى عليه بعض اللحم أو التمر فهو الجشيشة . ( 2 ) الجهام : السحاب غير الممطر ، يبرق ويرعد ولا ماء فيه . * قلت : وكان حيى هذا وأخوه ( أبو ) ياسر بن أخطب من أشد اليهود عداوة للمسلمين وتربصا بهم الدوائر . وهما اللذان حسبا بحساب الجمل الحروف التي ( في ) أوائل السور فأبطل الله حسابهما وعجل عذابهما . وضجع ( ضعف ) السهيلي في ابطال الحساب المشار إليه . وهو من المجوزات العقلية ، وحسب هو عدد الحروف الأربعة عشر ( التي جاءت في أوائل السور ) فقال جملتها تسعمائة وثلاث . وغلط فإنه حسب السين بثلاثمائة وانما هي بستين على زعم أهل هذا الحساب ، وحسب الصاد بستين وانما هي بتسعين . وفي حديث عن بعض بنى العباس ، قال : سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عمر الأمة : فقال : ان اساءت أمتي عمرت نصف يوم أي خمسمائة سنة ! وان أحسنت عمرت يوما أي الف سنة ! . فان صح هذا فهي إن شاء الله محسنة ، قال الله تعالى : ( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) . [ انظر الروض الأنف 2 / 35 ]